أخر تحديث : الجمعة 11 أغسطس 2017 - 5:36 مساءً

قراءة عاشقة تسافر بنا على قطار الإبداع الراقي ، يقودنا الربان الشاعر.. لنحل ضيوفا عليه بالبصرة بعراق العزة والشموخ

بتاريخ 11 أغسطس, 2017 - بقلم hamid
قراءة عاشقة تسافر بنا على قطار الإبداع الراقي ، يقودنا الربان الشاعر.. لنحل ضيوفا عليه بالبصرة بعراق العزة والشموخ

الكاتب: مولاي الحسن بنسيدي علي
أملا أن أكون ضيفا خفيفا في هذه القراءة العاشقة في قصائد مختارة لشاعر العراق المبدع كريم جخيور.
قد لا تجمعنا بأشخاص سابق معرفة على أرض الواقع، ومع ذلك نحبهم ونذكر سيرتهم ونردد أقوالهم وأشعارهم، ونًسَبِّح بأورادهم، فنقترب من ذواتهم من خلال ما ينثرون من أريج عطر يفوح بأطيب النسمات، فنتلمس وجودهم الغائب، ونستحضر في أذهاننا صورا لهم، لتكبر شخصيتهم فينا، ولكل منا فارسه وشاعره وعالمه. لم نعش زمن امرئ القيس، ولا حسان بن ثابت، ولا المتنبي، ولا الفارابي ، ولا ابن سينا، ولا بودلير، ولا لامارتين، ولا فيكتور هيكو.. ولم نجالسهم، ومع ذلك كثير منا يحتفظ بإنتاجاتهم في خزانته ، ويعلق صورهم التي رسمها لهم على جدران بيته، ومنهم من يجعلها تستوطن منه القلب والذاكرة، والشاعر المحتفى به في هذه القراءة أحد هؤلاء،وقد شدتني إليه قصائده وجمال بيانه وروعة أسلوبه وطريقة تعامله مع نصوصه التي يختار لها صورا جمالية بديعة وأنغاما صوتية شجية، وكأنك أمام مايسترو يوزع ألحانه على الفرقة الموسيقية المتمرسة.

إنه شاعر يداعب الحروف بلطف ورقة، ويرسمها بروعة فنان تيمته الوجوه والصور والأشياء، فمرة نسافر معه عبر قطار إبداعه فنلج عوالم الغزل العفيف، والإباحي اللطيف، ومرة أخرى يجبرنا على النزول إلى الارتواء من نهر دجلة والفرات، فنستظل بجريد نخل البصرة، لم يكتب لي الله أن زرت أرض الحسين والمتنبي والنشامى هبة الله ـ بغ دادـ ولكنني أشعر أنني أعرف مدنها وبواديها وحاراتها وأهلها وطوائفها وشعراءها وعلماءها من خلال بحث ودراسة لقصائد الشاعر “كريم جخيور” فأدعوكم أحبائي إلى امتطاء قطار هو ربانه.
فمن يكون هذا القائد لقصائد الشعر والمعاني؟
إنه شاعر يرفض أن يعرفه غيره، أو أن يثني عليه، فقد يختلف عن كثير من الشعراء ممن يسعون إلى تمجيد أشخاصهم.
فنقرأ معه هذا الانطباع الجميل والذي يظهر قوة شخصيته يقول في قصيدة له

تحت عنوان: مدونة السلالة

في مدونة جدي
منذ أن كان السواد بستانا
في بطون قريش
وهو يطوي خيمته
من بر إلى سهل
ومن جبل إلى فج عميق
ليس له من فيئهم شيء
وكان اسمه ، دائما، مرقنا
في سجلات العطايا
وثابتا في سجلات
أوامر القبض عند العسكر
وفي مدونته
أنه منذ أن اعتلى عبد الحميد
عرش الخلافة
إلى أن خر التاج الهاشمي
صريعا في باحة الورد
ونحن لا نملك على الأرض
لا دابة ولا حجرا

سوى حبنا الثبوتي لها
وفي المدونة كتب جدي
منذ بيانات العقداء
التي تبدأ ،دائما، بالرقم واحد
وهو يتمثل
أخرج يدك بيضاء من خزائنهم
وحتى لا يكذبه المدونون
فقد خط في هوامشها
كان لنا من القتلى
بعدد الحروف
المحفورة في خاصرة الأرض
كان لنا أقسى الطوامير
وأقل الزنازين هواء
ومساقط ضوء

إنه يرثي في معزوفته هاته الزمن الجميل، وتاريخ من وطأت أقدامهم أرض بلاده، بل أمته من مائها إلى مائها، متحسرا على ضياع هيبة الرجال وانتمائهم وشموخهم، فتكبر الصرخة في داخله ليعلن تمرده بل ثورته على الساسة والقادة، يقول في أجمل قصيدة له تحت عنوان
الملوك
ما الذي يجعلني أهتم بحياة الملوك
بسلالاتهم
بأيام حروبهم
بأنساب خيولهم وسيوفهم
بنوادرهم ونزواتهم
بقصورهم
بموائدهم يطوف عليها ولدان مخلدون
بنسائهم
قطعان الجواري وما ملكت الأيمان
ما الذي يجعلني أهتم بمراسيم اعتلائهم
على العرش

ومراسيم إنزالهم في القبر ؟؟
هل كنت أحلم أن أكون ملكاً
هل كنت أنتمي إلى إحدى سلالاتهم
بالطبع لا
فإن جدي السابع عشر
كان إما فلاحاً بلا أرض
أو راعياً من دون قطيع
أو كان ينتمي إلى تنظيمات
عروة بن الورد
أو مجموعة تأبط شراً الانتحارية
مع هذا إنه ينام الآن سعيداً
في قبره الخرب
لأن أحد أفراد سلالته
وهو أنا بالتأكيد
قد أصبح شاعراً
يتجمع على أبوابه الملوك

شحنة من السخط قوية وصرخة مذوية تملأ رئة الشاعر ومن خلالها يتنفس، إنه لا يكتم غيظه فيجهر به في وجه حي وأمام قبر ميت ، يقول في حقه البرفيسور “ضياء الثامري” 1
أشهد أني المفتون بهذا الشاعر منذ أكثر من عقدين من الزمان أنه طاهر من كل شيء إلا من الشعر, أشهد أن أثوابه نقية لكن روحه مدنسة بوجع الكلمات، أشهد أنه لا يصلح لشيء إلا أن يكون شاعراً
أعرفه عن كثب منذ أول سنوات الجوع لأنه كان محملاً ومتخماً بالكلمات وكان كريما بها ، إنه كريم يتقن فتنة الكلام وغواية المعنى ، ويبهر الضيوف الذين يحلون على دفاتره ببذخ لا حد له ولا منتهى
أشهد أنا المعني بهذا الثراء أنه رجل الحرف الذي يحدق الجميع بسواده ، باسق قلبه الذي يقودنا إلى وروده .”انتهى”

إن قوة لفظه تجعل المتلقي يقترب من شخصية الشاعر وينساق تجاه ما يطرحه من قضايا ، حتى ـ يخال أنه كاتبهاـ
إن تمكنه من اللغة العربية وما يملكه من زخم الألفاظ والتعبير يجعله يعبث بالحروف والكلمات في نسق بديع جدي وسخري ونجد ذلك في القصيدة التالية
والتي وظف فيها الموروث التاريخي بماضيه التليد ومآسيه بانتكاساته ومجون سادته، إن الشاعر لا يأسف على ملك تهالك وتهاوت ركائزه وإنما يتحسر على مجد بيع بلمسة نهد “تدلى ” أو بغنج قد مياس.
. فلنقرأ معه هذه الأيقونة الساخرة
العاشق السعيد
إلى محمد بن أبي عامر
يا ابن أبي عامر
هل كنت حين تبيع غزل أمك
في سوق الخضراء
تغزله سلالم
إلى عش النسر
وهل كانت أورورا البشكنشية
في تلك اللحظة
من سبيها الأخير
تعزف في دار المدنيات
فتختل دورة الملك في الحياة
أيها الفتى ذو الحظ السعيد
هل كان الحظ
شيطانا أعمى
يسير في شوارع قرطبة
ومساجدها ودكاكين كتبة الرقاع
فيقع عليك
فيقول الناس محظوظ
أم كان لقلبك وثبة ملك
وللخطى
حصافة عقل لا يصدأ
أيها الفتى المنصور
مضى
ما مضى
وها أنا بعد ألف عام
من نومك الوثير
أغبط
لا على ملك
فقد تقوض هالكا
ولكن على خصر تثنى
في ليلة سعد
فصرت الأمير
بعد هذه الإطلالة لابد أن نستأذنه في اقتحام أبواب بلاطه لنلج عوالم أخرى قد لا يسمح الشاعر بدخولها إلا لمن آنس منهم مودة وقربى أو لشاعر مثله،
فنطرق باب الحب فتقابلنا عرائس بفساتين بيضاء تمشي على أطراف أصابعها في دلال، فنقرأ على جبين إحداهن المرصع بتاج نازك الملائكة وقلادة فدوى طوقان وغيرهما
.. ونبدأ بقصيدة شقت علي قراءتها فأثرت في وانسكبت دموعي مع الشاعر المرهف الإحساس كريم جخيور جاء فيها:
ربما يحدق الجميع/ إلى زوجتي الراحلة
وهي تحدق في السماء
وربما في جيوبي الشاحبة
زوجتي دائما تسألني
عن ميزان الحق
تسألني عندما تنام
وتسألني حين تصحو
حتى تلبسها جنون الأسئلة
فراحت تسأل الملابس

,
الصحون الفارغة
القطط النافرة
تسأل الكتب مبعثرة
دائرة البريد
وتسأل صاحب بيت المالالفارين
الجنود الذين يمسكون الثغور
تسأل سيارت الإسعاف
وثلاجات حفظ الموتى
وكالات الغوث
ومدابغ الجلود
تسأل مستشفيات الولادة
وسجون الأحداث
تسأل أهلة الأعياد
وهي تمر
دون أن تطرق بابها
زوجتي تسأل رجال الإطفاء

وعمال التنظيف
وهي تنظر إلى التماثيل
منتصبة بقوائم سود
تسأل الباعة المتجولين
وأسراب الجراد
نوع تورنادو
زوجتي
دائما تسأل عن ميزان الحق
ولأنني رجل
أخشى عاقبة الأمور
اشتريت لها ميزانا أنيقا
فقالت:
وأين الحق؟
فرحت أدلها
على بنات آوى

.
إن الشاعر يبث حزنه إلى معبوده فهو وحده من يخفف عنه ما هو عليه فقد ذاق الأسر ظلما والجفاء وبالرغم من وجود من يزرع الألغام فالشاعر يحث الناس على غرس الأشجار والأزهار فعلا كان آخر الباكين ولم يجد من يمسح دموعه وقد رحل عنه سنده وحبه والده
ولا أشق على المرء من أن يدخل داره فيجد من أحبهم قد رحلوا عنه وحملوا إلى مثواهم الأخير فعلا هزتني بكائية الشاعر وأريد أن أقاسم القارئ الإنسان تأثيره
رثاء متأخر جدا
بالثلاثة
أكره الحرب أنا
حتى لو كانت (عادلة
كما يحاول أن يجملها
مرتكبوها
وليس في نيتي يوما
أن أمتدح نياشينها
فقد ماتت أمي

وكنت في الثكنة
لم أحضر ميتتها السريعة
ولم أحفظ لها آخر صورة
وهي ممددة
بجسدها البارد النحيل
رأسها تجاه القبلة
تغطيها عباءتها السوداء
ومن الصعب
أن تكون آخر
الباكين على أمك.
لم يبق لأمي
سوى صورة باهتة
بالأسود والأبيض
ورائحة لا تجف
مات أبي
وهو بعد لم يبلغ الستين

وكنت في الحرب
الحرب
التي لا ناقة لي فيها
ولا شرف
ولأنني عرفت بميتته
بعد أربعين يوما
صرت أيضا آخرالباكين
لم يشاركني أحد
كان أخي الوحيد في الحرب
وأمي لم تنجب لنا باكية
والناس لا يبكون بصدق
غير موتاهم.
أبي المحارب القديم
والمقامر دوما
كان كثيرا ما يعتني بثيابه
فلا يفارقها العطر
لسانه حلو

والساعة السويسرية لا تفارق يده
إلا وقت ينام
خوفا عليها من العطل
لم أره يوما يكثر من الهم
ولا الصلاة
ومن آثام الحرب وثالثة الكره لها
أنني لم أزر قبريهما
أو أوقد شمعة
أو أبلل رأسيهما بالماء
أبي
أمي
لم تورثاني سوى الفقر
فقبلت
ولكن أرجوكما لا تورثاني
ميتتكما السريعة
فعندي قصائد لم أكتبها
وامرأة لم أقبلها بعد

أخذت بيدي إحدى عرائس الباب الثاني وأجلستني على أريكة إبداع شعري خال من الألم وشنفت مسامعي بأعذب قصائد الحب فقالت من روائع الشاعر كريم جخيور
هكذا أكتبك
لم ألتق بك من قبل
أو أطبع قبلة على خدك
أو على يدك
كما يفعل عادة
العشاق الارستقراطيون
في الحفلات
مع السيدات الأكثر جمالا
تعبيرا عن إعجابهم
وحسن تهذيبهم
ولم أمسد شعرك من قبل
فلماذا تشعر يدي بالخدر
كلما تذكرتك
لم أكن تلميذا في مدرستك

ذات يوم
فلماذا وأنا أكتب أو أرسم
أتوقع أنك ستصححين دفاتري
ولهذا أخاف دائما من الخطأ
أرسم شجرة رمان
وأعتني جيدا برمانتين اثنتين
وأحوطهما بعناية فلاح ماهر
أرسم غابة
ولكن دونما وحوش
وأنا أشير إلى شعرك
وحين أرسم شفتيك
أكتب تحتها
جرة عسل
وفي أعلى الصفحة
ألونها بالأزرق وأقصد السماء
بينما أعرف

أن عينيك عسليتان
لم أقبلك من قبل
فمن أوحى لي
أنك تعرفين فداحة القبل
أفعل كل هذا
لأني أحبك كثير
رغم أنك
لم تفضي بعد
عقدة لسانك
لتقولي أحبك
ولكني مطمئن إلى ما يقوله
قلبك
وأنت تقرئين قصائدي
التي أكتبها لك

إن الأنثى كما يراها الشاعر كائن جميل وبالرغم من كونها كذلك فهي تجمع كثير من المتناقضات فهي أمه وأخته وحييته وجارته وصاحبته يقسو عليها أحيانا ويعطف عليها أحيانا أخرى لكن لا يمكن أن يعيش بدونها فهي معه حتى وإن شطت أو نأت عنه قالت وصيفة البلاط
يقول الشاعر كريم جخيور في تدوينة له:
. عاليا
عاليا
أرفع قبعتي للمرأة
التي تمنحني الجنون
فقد مللت من العقل

فماذا يقصد صاحبنا؟ لنصبر أقواله فيما سيأتي وننقب في أغواره،
فغزل الشاعر واستلطافه للمرأة لا يشيخ فيمطرها ثناء وعاطفة جياشة في المساء والصباح ولا يمل رؤيتها والحديث إليها يهديها من وروده وقصائده نثرا وشعرا.

في كل صباح
وحتى لا تسبقني طيور الدنيا
ا أفز عجلا
لا لأطمئن على حلمي
وأجمع ما انفرط من حبات القبل
بل لأقول لك
صباح الورد حبيبتي

قد يسلك الشاعر سبيل التمرد على جسد المرأة فيخلع سترها ويقتحم خدرها ة يفك تلابيب قميصها وكأنها خلقت له بمفرده يستلطفها مستمتعا بمحاسنها فيرشها من عبق القصائد كما فرشت له تمثالها ليسكن إليه فنقرا في هذه القصيدة الخارجة عن القانون كما قال الشاعر السوري نزار قباني في ديوانه أشعار خارجة عن القانون والتي عنونها ب :
محاولة حذرة
هل لك القدرة
على تطويع الحريق
والشهيق
أكثر فداحة من الزفير
والكتابة تحت الصفر
او فوق درجة الغليان
هي محاولة حذرة
للاقتراب من نهديك
وهما ينتصبان مثل إله
يطوف حوله
الناس
فانشغل كثيرا بهم
بأدعيتهم
بتراتيلهم وابتهالاتهم
حتى تعالى غرورا
فنسى أو تناسى قصيدتي
على مكتبه الاله
وأرى أن القارئ الشاب لن يمل من متابعة قصائد كريم جخيور العاطفية كما كنا في شبابنا نلاحق الشعراء ونطرب لكلماتهم ونردد أشعارهم ونبعث بمقتطفات منها لمن أحببناهن وإليكم هذه القصيدة بعنوان : حبيبتي
عليّ أن أشكركِ كثيـــرًا
أن أهــذّب أدعيتـــــي
وأرفعها بقلب مطمئنّ
إلى السّمـــاء
فمــذْ أن عرفتك
وأنا ﻻ أفــرّط بقطرة من لعـــابي
تحت أقــدام النّساء
ولم تعد تعنيني قمصان جارتي
وهي تنشرها بمكر
على حبل الغسيل
منذ أن أحببتك وأنا
لم أعد منشغلا بمتابعة الأفلام
ﻷرى نجمات السينما
وهن بصدور عارية
وسيقان ترقص
ولــم أقترب من جرار العسل
وﻻ دنـــــان الخمر
يكفيني ما في شفتيك منهما
ولهذا
عليّ أن اشكــرك
كما يفعَل الشاكِـــــرون
في محــراب الصلاة

يعتمد الشاعر على أسلوب نثري جميل خال من الصناعة والتكلف سلس تعبيره مشبع بالصور الجمالية يحتوي على إيقاع داخلي بجرس موسيقي ومعجم اصطلاحي غزير، فقد يركب الصعب ليتسلل إلى قلوب عشاقه ممن يطربون لشعره وقد يكون عنيدا ولا يستسلم في بنائه الشعري وفي هذا يقول الشاعر الكبير كاظم الحجاج في جلسة الاحتفاء بالتجربة الشعرية للشاعر كريم جخيور:
توأمي كريم
أفاجئكم بأنه إذا كان لي توأم في الفكر الوطني اﻵن
و إذا كان لي (شقيق) في الرأي بالأشياء وباﻵخرين .. سرا
وعلنا. ثم أذا كان هناك من يشبه شعري شعره
فهو كريم .. نحن توأم على ما بيننا من عشرين عاما تقريبا
صديقي كريم هامة وطنية وإنسانية مرفوعة الرأس عاليا لكن ببساطة عالية
ومن هنا أتت شعريته تعبيرا عن تلك الرفعة والكرامة الشخصية .. والعناد الصلب تجاه الأفكار والأشخاص وتجاه المبدأ لا أعني المبدأ السياسي أو الفكري بل المبدئية في كل شي
و أفاجئكم ثانية بانه يسد عني احيانا ما أريد أن أقول وما أريد أن أكتب من شعر
أعني يسد عني بشعره الذي أقرؤه فيحرمني من أن أكتبه أنا
قلت إن كريما عنيد في داخل مبدئه الأخلاقي .
قبل حوالي ثلاثين عاما اقترحت عليه أن يختار له اسم شهرة يسهل معه حفظ قصائده وقلت له إن اسم الشاعر ديك الجن وكذلك بدوي الجن وأدونيس غير أنه كان عنيدا نبيلا فتمسك باسم أبيه “انتهى “2
ولعل تأثره بشعراء التفعيلة ممن سبقه من الرواد كنازك الملائكة وفدوى طوقان ومحمود درويش وبدر شاكر السياب ، ومن أجمل ما قال في هذا الأخير مستحضرا شخصه وزمانه الجميل بأسلوب ساخر بديع يكشف ما آلت إليه مكانة الشعر والشعراء في زمن التكالب المادي والتردي والقذارة
حامل رايات الجمر إلى بدر شاكر السياب/ بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لرحيله

لك الآن أن تبتسم
أيها الحزين مثل مقبرة ٍ
لا يطرق بابها أحدٌ
فكلماتك ما زالت تلمع كالنجوم
في صباحاتنا المطفأة
لك الآن أن تبتسم
فمازال أتباعك
ينسجون على قارعة الخلجان أحلامه
أشرعة ً للطيران
لك الآن أن تبتسم
فقامتك النحيلة والمنكسرة
والتي لم تستهو الفتيات،
ذات يوم قد أصبحت راية
يهتدي بها حاملو مشاعل الجمر
واسمك الذي كان معلماً
بالأحمرالصارخ
ومثيراً للريبة

أصبح ماركة تجارية
تحتل واجهات الشوارع
والفنادق
ومحال الصيرفة
لك الآن أن تبتسم
فلن يطول وقوفك
فصحيفتك بلون القطن
والسدنة ُ لم يدونوا ضدك
سوى دعوى واحدة
أقامها السيد الفراهيدي
بأنك كسرت عموده الخشبي
واستبدلت زحافاته بالمطر
وقد عفا الله عنك
في قرارة الأخير
بتبييض النار من الشعراء

يرى البعض أن صهوة النثر يمكن امتطاؤها وأنها سهلة البناء والتشكيل غير مدركين أنها تحتوي من الجمال والفنية مالا يقدره غير خبير وفنان مبدع وإذا كان جل من خاض فيها يعرفها بأنها قطعة فنية ذات جمال وإيقاع موسيقي حتى وإن خلت من الأوزان
كما ذهب البعض إلى اعتبارها جنسا غريبا ولا ينسجم والقاعدة الشعرية المتعارف عليها
وقد انبرى فريق مؤيد لها فاعتبرها خزانا لقيمة فنية مضافة إلى الشعر فهي مكملة له إن لم تكن مستقلة ومتحررة عنه
يقول فضيلة الدكتور “عبد الله شريق” :
“إن النصوص الجيدة في قصيدة النثر لا تخلو من الإيقاع الشعري ولا تخضع لإيقاع النثر كما يقول المناصرة .وإنما تبني إيقاعه الخاص وتخلق تشكيلاتها الإيقاعية بآليات وطرق مخالفة للنماذج العروضية والإيقاعية التقليدية، وتحقيق هذا النمط من التشكيل الإيقاعي أصعب من إتباع التشكيلات الوزنية الجاهزة . فبالرغم ما يتيحه من حرية في البناء والتشكيل فإن له شروطه وصعوباته فهو يحتاج إلى ذوق موسيقي والى إحساس بالتناغم والتنوع الإيقاعيين والى قدرة على الخلق وتشكيل وتحقيق التفاعل مع العناصر الأخرى المكونة لبنية النص الشعري .”
ويضيف الأستاذ الدكتور “عبد الله شريق” ” فإن القول بغياب الإيقاع الشعري في قصيدة النثر قول غير دقيق” .
ففي دراسة نظرية ونصية أنجزها فضيلته حول إشكالية الإيقاع في قصيدة النثر بالمغرب تمكن من رصد عدة آليات وظواهر إيقاعية منها
1 ) تكرار الأصوات (الصوائت القصيرة والطويلة )
2) تكرار الألفاظ المتجانسة صوتيا كليا أو جزئيا عن طريق الاشتقاق أو الجناس أو الترديد أو القافية .
3) ترديد ألفاظ متماثلة صوتيا ودلاليا أو رمزيا عن طريق الترادف والتداعي والاستدارة المعروفة بالإيقاع الدلالي
4) التوازي وهو دو طبيعة مورفوتركيبية يتحقق بتكرار صيغ وتراكيب متماثلة في البنية النحوية والصرفية وفي الطول والمسافة الزمنية وفي طبيعتها النغمية
5) التشكيل الهندسي لفضاء النص وهو يدخل ضمن الإيقاع البصري الذي يتحقق بالتماثل والاختلاف بين أشكال خطية أو هندسية بصرية .” انتهى” انظر مؤلف الدكتور عبد الله شريق الشعرية في قصيدة النثر.3
كما يرى ناقد مغربي أخر معاصر هو فضيلة الدكتور” نورالدين أعراب الطريسي” : أن الوزن العروضي لم يكن أبدا المعيار الوحيد لرصد البنية الإيقاعية في الشعر العربي ، قديمه وحديثه . وقد بنى هذا الطرح النظري الهام انطلاقا من منجزات النقد العربي في القديم والحديث على السواء ، وما حققه من تراكم معرفي متميز . ففي كتابه النقدي القيم الذي عنونه ب ” الاستعارة في الخطاب الشعري المعاصر بالمغرب ” يلفت أنظار المهتمين إلى وجود صنفين مختلفين : منظومات تحتوي على الوزن مثل ألفية ابن مالك، المخصصة لتلقين وتعليم مبادئ علم النحو بطريقة سهلة فهذا النوع لا يمكن أن نقول عنه أنه شعر حتى ولو توفر على الوزن وخضع لقواعد العروض . والسبب قي ذلك معروف وواضح ، حسب الناقد الدكتور” الطريسي ” ـ يرجع قي نظره الى غياب العناصر الاخرى للنص الشعري المشكلة لجماليته الفنية مثل الصورة الشعرية بالأساس ، واللغة الشعرية، والاهتمام بالمعجم ، والايحاء ، والرمز … وهذا ما يدل على أن الوزن وحده لا يكفي لكتابة القصيدة الشعرية ولا يمكن اعتباره المعيار الوحيد . وهناك صنف أخر ارتكز في مبدئه الشعري على عنصر أخر هو الخيال الفني ، وهو مبدأ قام بتغيير جذري في القصيدة العربية لأنه تجاوز تعريفها بمقياس العروض ولا ادل على ذلك بحسب الناقد “الطريسي” من التأصيل الذي وضعه رائد الشعر الرومانسي في المغرب العربي ابو القاسم الشابي في كتابه النقدي المعروف ” الخيال الشعري عند العرب “4
وأجمل تعريف ما وقفت عليه في موقع “ويكيبيديا” حيث تذهب الناقدة الفرنسية” سوزان برنار” إلى أنَّ قصيدة النثر هي: «قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور…خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية»5]. لقصيدة النثر إيقاعها الخاص وموسيقاها الداخلية، والتي تعتمد على الألفاظ وتتابعها، والصور وتكاملها، والحالة العامة للقصيدة. وكما يقول الشاعر اللبناني” أنسي الحاج” -أحد أهم شعراء قصيدة النثر العربية – شروط قصيدة النثر: «لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً لا قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، يشترط لها شروط ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجاني6 »
وهذه الخصائص هي ما يعتمدها الشاعر “كريم جخيورّ
كما اعتمدها رواد القصيدة النثرية حيث نجد انه تأثر بهم والأكثر تأثيرا عليه الشاعر محمد الماغوط

وخاصة وأن الشاعر عاصر هذه النخبة ونذكر أشهرهم كما وقفنا عليه في مراجع البحث لوكيبيديا رواد قصيدة النثر العربية من أبرز روادها (من 1954 إلى 1993): توفيق الصايغ،أدونيس، محمد الماغوط، أنسي الحاج، شوقي أبي شقرا، سركون بولص، عزالدين المناصرة، بول شاوول، سليم بركات، عباس بيضون، بسام حجار، عبد القادر الجنابي، وديع سعادة… هؤلاء هم رواد قصيدة النثر حتى مطلع التسعينيات في القرن العشرين.
ويعتبر محمد الماغوط أحد كبارشعراء القصيدة النثرية والتي رسم معالمها واستلهمها شاعرنا كريم جخيور حتى أننا وجدنا تناصا كبيرا بين الشاعرين وكلاهما اهدى بدر شاكر السياب قصيدة بنفس فني، جسد تأثر الشاعر كريم جخيور بالشاعر محمد الماغوط انظر القصيدة أعلاه ولنقرأ مع الشاعر محمد الماغوط قصيدته : مرثية إلى بدر شاكر السياب، حين كان يتسكع معه في شوارع بيروت

يا زميل الحرمان والتسكع
حزني طويل كشجر الحور
لاني لست ممدداً الى جوارك
ولكنني قد أحل ضيفاً عليك
موشحاً بكفني الابيض كالنساء المغربيات
لا تضع سراجاً على قبرك
سأهتدي إليه
كما يهتدي السكير إلى زجاجته
كل شيء زائل في الوجود،
ولا يملك الخلود في الدنيا،
إلا الحب فهو باقٍ
كعشبة الخلود
كنا ننبت في كل مكان
نحب المطر
ونعبد الخريف
حتى فكرنا ذات يوم
أن نبعث برسالة شكر إلى السماء
ونلصق عليها
بدل الطابع .. ورقة خريف
كنا نؤمن بأن الجبال زائلة
والبحار زائلة
والحضارات زائلة
اما الحب فباقٍ ..
يتفاعل الشاعر في فرحه كما في حزنه مع قضايا مجتمعه وفي رحلة قيادته للقطار يلتقي بمئات الوجوه وبوجوه عابرة وبالأشجار والأماكن يخترق النجود ويرى كدح الفلاحين في صباحهم ومسائهم وعرقهم على وجوههم فينقل معاناتهم وكأنه لسان حالهم بطريقة مهذبة وشاعرية يقول كريم جخيور:
الصباح
لا أحب أن اكذب
ولا أريد أن أتجمل
فأنا رجل من فقراء الناس
لا أعرف عن الصباح
إلا ما تثيره جلبة العمال
وهم يحملون معاولهم

ومطارقهم
ويدقون بأقدام صلبة
على خاصرة الطريق
لا أعرف سوى ما يثيره لغط الباعة
المتجولين
والموسيقى التافهة
التي تكررها كل يوم سيارة بأئع قناني
الغاز بعد 2003
حيث كانت عربة يجرها حصان أجرب
لم أبدأ الصباح كما يفعل الأغنياء
بكوب حليب
وبعده فنجان قهوة
يتلذذون كثيرا برغوتها
وههم يطالعون الأبراج
ليتأكدوا مما كتب الله لهم
فهم لا يحبون الدهشة أبدا
ومثل عامة الناس

أطمئن إلى سقف البيت
الى صورة أبي المعلقة على جدار الفرفة
مطعونة بشريط أسود باهت
واستمع إلى فيروز
التي يحلو لي أن أسميها
دعاء الصباح
ولكن ما يميز صباحي
هو أنت
وهذه القصيدة التي أكتبها الآن لك
إن انسياب المعاني في القصيدة التي أسميها بالقصيدة الغاضبة لدى الشاعر نجد بعضها له تناص فيما نثره الشاعر الكبير ـ محمد احمد عيسى الماغوط ـ إذ يقول في مقتطف له :
ماذا يفعل هؤلاء العرب من المحيط إلى الخليج ؟
لقد أعطونا الساعات
واخذوا الزمن
أعطونا الأحذية
واخذوا الطرقات
أعطونا البرلمانات
وأخذوا الحرية
أعطونا العطر والخواتم
وأخذوا الحب
اعطونا الاراجيح
واخذوا الأعياد
أعطونا الحليب المجفف
وأخذوا الطفولة
أعطونا السماد الكيماوي
وأخذوا الربيع
أعطونا الحراس والإقفال
واخذوا الأمان ,
أعطونا الثوار
وأخذوا الثورة

إن انطباعي وأنا اقلب قصائد هذا الشاعر المهووس بقضايا الناس يسكنه وجعهم مثلما تسكن أفراحهم فيه أنني أمام قامة أدبية وارفة وبعد أن استعرضنا خصائص وشروط قصيدة النثر والتباين الفكري حولها ونسال الشاعر” كريم جخيورّ عن قصيدة النثر وطريقة كتباتها فتكون إجابته شعرا على النحو الآتي:
أن تكتب نثرا
عليك أن تفطم الكلمات
من ثدي القواميس
حينها ستشع وتبرق
فلا تحتاج الى بوق نحاس
أو راوية ألثغ
أن تكتب نثرا
عليك أن تزيل عن جسد الكلمات
الدمامل والفقاقيع
فأنت لا تذهب مع دمية
مهما برعوا في تجميلها الى السرير
حتى لو كان السرير وثيرا
أن تكتب نثرا
عليك أن تتثبت من قوسك
فالطيور تهادن صيادها لحظة
ثم تكسر صمت المكان
وكلما كانت دانية عناقيد العنب
فلا تقطف منها
إلا ما يزيدك فتوة وصحوا وبهجة
وعليك أن لا تذهب
الى وادي عبقر
فما عاد صالحا لرعي الثيران المجنحة
عليك أن تقف وسط الريح
مخضبا بالرؤيا
تنظر الى شجرة الحياة
وتتعلم منها درسا في الفصول
ان الشاعر “كريم جخيور” يستعمل صورا جمالية واسلوبية وبلاغية متعددة ومتنوعة وهي دعوة للقراء لتصفح كتاباته والنهل منها للاسترشاد بها
وساذكر ما ذكره فضيلة الدكتور “حاتم الصكر” في المقدمة التي وضعها لمؤلف الشاعر كريم جخيور “لكتاب الجنوب” واقتطف منها
بخبرة شاعر ذي تجربة يتفنن” كريم جخيور” في اصطياد ثيمات دالة ومؤثرة .انتهى7

كريم جخيور حاجم ولد بالبصرة
ـ عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق
ـ عضو اتحاد الأدباء والكتاب العرب منذ1995
ـ رئيس اتحاد الأدباء والكتاب في البصرة منذ 2010 إلى عام 2016
ـبدأ في منتصف الثمانينات النشر في الصحف عام 96 اصدر مجموعته الأولى خارج السواد بنسخ محدودة
عام 2007 تم إعادة طباعتها
عام 2014 تم إعادة طباعتها في المغرب العربي عام 2009
تم طباع مجموعة الثعالب لا تقود إلى الورد. من قبل اتحاد الأدباء عام 2014
تم أعاد طباعتها في تونس دار البدوي
ـ وفي عام 2012 تم إصدار مجموعة ربما يحدق الجميع
عام 2014 تم إعادة طباعته في دمشق
لا أحبك عارية .تحت الطبع
ـ الجنوب طين أسمر ما تيسر من الشعر رئيس للجنة التحضيرية لمهرجان المربد للأعوام من 2010 إلى 2016
ـ يكتب وينشر في الصحف والمجلات والدوريات العراقية والعربية عمل ناظرا لمحطة قطار
ـ ترجمت مجموعة من نصوصه الشعرية عشرات القصائد من طرف كل من:
الدكتور “عادل الثامري” وكذلك دكتورة هناء البياتي إلى اللغة الانجليزية له حضور وانتشار واسع في كثير من الدول العربية اعتلى منصات الأدب ومنابر الشعر
وتناولت أقلام نقاد وأدباء أعماله بالدراسة والتقويم
وفي ختام هذه القراءة التي حاولت من خلالها أن أبرز طاقة إبداعية لشاعر طالما أحببت قصائده التي أطالعها على صفحته عبر “الفايس بوك” أو من خلال الرسائل البريدية المتبادلة بيننا بالرغم من عدم التقائي به على أرض الواقع فأحببت شخصه المتخلق وأدبه الذي يفيض غزارة ويفوح أريج عطر ندا وكافورا .

إن وفقت في ذلك فمن الله، وان أخطأت فمن نفسي،

تم بحمد الله بمدينة السعيدية جوهرة البحر الابيض المتوسط

بتاريخ 28 يوليوز 2017
بقلم الكاتب والروائي: مولاي الحسن بنسيدي علي

المراجع
1ـ ينظر :ضياء الثامري : المقال كما توصلت به
2ـ ينظر، كاضم الحجاج : المقال كما توصلت به
3 الدكتور عبد الله شريق شعرية قصيدة النثر منشورات اتحاد كتاب المغرب 2003
سوزان برنار :قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ، ترجمة الدكتور زهير مغامس دار المأمون بغداد 1993

4ـ الدكتور نور الدين أعراب الطريسي ” الاستعارة في الخطاب الشعري العربي المعاصر بالمغرب
5ـ سوزان برنار :قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا ، ترجمة الدكتور زهير مغامس دار المأمون بغداد 1993
6ـ الشاعر أنيس الحاج : المقال كما توصلت به
7ـ حاتم الصكر تقديم كتاب الجنوب للشاعر كريم جخيور
8ـ صفحة سيرة محمد أحمد عيسى الماغوط على موقع أبجد
9 ـ موقع ويكيبيديا
10ـ قصائد مختارة للشاعر