أخر تحديث : الجمعة 10 أغسطس 2018 - 6:29 مساءً

……….جلسة أدبية مع الاخطل بابركان

بتاريخ 10 أغسطس, 2018 - بقلم Harbal
……….جلسة أدبية مع الاخطل بابركان

بني انصار24:  مولاي الحسن بن سيدي علي

 

كانت علاقة عادية بكثير من الاحترام المتبادل سمعت منه شعرا قليلا في لقاءات عابرة ولم استمتع بها الا ان حللت ضيفا على صديقي القاص والكاتب محمد العتروس فقربني من مجلس شاعر محبوب مرح في مجالسته فارخيت السمع لترانيمه العذبة وهو يتجول بي في حدائقه الشعرية الغناء لاقف معه على شاطىء بحر البسيط والطويل والكامل شدني بصوته المموسق ودندنة التقطيع الشعري
وبالرغم مما كنت عليه من تعب وارهاق لم أغادر مجلسه بل اقتربت منه أكثر وكل مرة اردد لا فض فوك وحفظ الله لنا صوتك الجهوري
سلك سبيل الكبار في إبداعه بأسلوب سلس ممتع حتى يخيل لجليسه انه امام النابغة الذبياني او المعري يخترق الحقبة الزمنية ويختزلها لنعرج سويا على ذكر بشارة الخوري وبدر شاكر السياب ومحمود عباس العقاد وغيرهم كثير
مر اليوم الأول فلم أشبع من فواكه القصيدة العمودية وقد ناخت ناقتي وكأنها تستبطؤني لامكث ليوم آخر فأنهل من معين جليسي لوقت اطول
ترى من يكون ؟ انه فارس الكلمة بامتياز ومالك ناصية الشعر والعروض الاخطل كما يعجبني ان اناديه به انه الشاعر عبد العزيز ابو شيار
كنت اتبين كلماته وصوره الشعرية الجميلة بكثير من الدقة والاهتمام فلم أجد بها لحنا ولا نشوزا ولا خروجا عن مبنى القصيدة من اولها إلى آخرها تزيده ثقثه بنفسه وهو يقرأ ويتفاعل مع مقروئه بصوته وحركته فتأتي متناسقة وكأنها أزهار صففها عاشق بمرجه فانبثقت منها وريقات تفتقت إلى ورود جميلة بعطر طيب فواح يصيب منها المتذوق جليسه فتضفي على المكان روعة وتزيد الشاعر رفعة وقدرا
فلماذا أطلقت عليه اسم الاخطل بالرغم من أن المصطلح اللفضي قد يكون له مرادفات في قواميس اللغة متباينا ويراه البعض انه قدحا وليس مدحا في حق شاعر كبير بحجم عبد العزيز ابو شيار وقد يظن آخر انني انسبه للشاعر غياث بن غوث التغلبي المكنى ابو مالك الأموي وقد عرف عن هذا الأخير خلطه وسفهاة ومجون شعره وغلظة لسانه
ولكن اللغوي من يهتم بالمعاني ويصبر الشرح ويقف على المصطلح والمرادفات فيعرف انني اقصد بالاخطل الجواد الكريم الذي يستعجل فعل الخيرات حتى ان يده السخية تسبق نيته وفعلا فإن أخطلنا عبد العزيز نراه كذلك
فمن نقصد بالاخطل انه من تربع عرش القصيدة العربية بشارة عبد الله الخوري بعد احمد شوقي حتى لقب باسمه أمير الشعر العربي او أمير الشعراء والمعروف بشاعر الحب والهوى والصبا والجمال وبالاخطل الصغير والذي اشتهرت قصائده بأغاني الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب والفنانة اسمهان والموسيقار فريد الاطرش- وصاحب اروع قصيدة سكنت وجدان وعقول الناس والمعروفة
……… عش انت
عِشْ أَنْتَ إني مِتُ بَعْدَكْ
وَأَطِلْ إِلَى مَا شِئْتَ صَدَّكْ
كَانَتْ بَقَايَا لِلغَرَامِ
بمهجتي فَخَتَمْتُ بَعْدَكْ
أَنْقَى مِن الفَجْرِ الضَّحُوْكِ
وَقَدْ أَعَرْتَ الفَجْرَ خَدَّكْ
وَأَرَقُ مِنْ طَبْعِ النَّسِيْمِ
فَهَلْ خَلَعْتَ عَلَيْهِ بُرْدَكْ
وألذ مِنْ كَأْسِ النَّدِيْم
وَقَدْ أَبَحْتَ الكَأْسَ شَهْدَكْ
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ عَدَلْتَ
أَمَا رَأَتْ عَيْنَاكَ قَدَّكْ
وَجَعَلْتَ مِنْ جَفْنَيَّ مُتَّكَأً
وَمِنْ عَيْنَيَّ مَهْدَكْ
إِنْ لَمْ يَكُنْ أدبي فَخُلْقُكَ
كَانَ أَوْلَى أَنْ يَصُدَّكْ
أَغَضَاضَةً يَا رَوْضُ إِنْ
أَنَا شاقني فَشَمَمْتُ وَرْدَكْ
وَمَلامَةً يَا قَطْرُ إِنْ
أَنَا راقني فَأَمَمْتُ وِرْدَكْ
وَحَيَاةِ عَيْنِكَ وَهِىَ عندي
مِثْلَمَا الإِيْمَانُ عِنْدَكْ
مَا قَلْبُ أُمِّكَ إِنْ تُفَارِقُهًا
وَلَمْ تَبْلُغْ أَشُدُّكْ
فَهَوَتْ عَلَيْكَ بِصَدْرِهَا
يَوْمَ الفِرَاقِ لِتَسْتَرِدَّكْ
بِأَشَدَّ مِنْ خَفَاقَانِ قلبي
يَوْمَ قِيْلَ خَفَرْتَ عَهْدَكْ –
وهذه المكانة لم يتبوءها غير ثلاثة احمد شوقي ومحمود عباس العقاد وبشارة الخوري
وعبد العزيز ابو شيار أراه بكل تواضع لا يقل في زماننا قدرا عن هؤلاء لو وجد الإنصاف من طرف المهتمين والنقاد وأصحاب الملكة والذوق الشعري بدلا من الانحياز إلى من أضحت تعج بضحالة خزعبلاتهم و بهم الساحة الأدبية والشعرية حتى أصبح كل من هب ودب يسمى بالشاعر وينثر عليه الألقاب مثل سلطان الشعر وسفيرة الشعراء وهلم جرا وقديما قيل- ما تجر الا الدواب –
لا انقم على احد ولا انتقص من قدر آخر ولكنني ادعو الباحثين إلى الاهتمام بمن لهم الملكة الشعرية ويأخذون بناصية الإبداع حتى لا ينطبق علينا القول المأثور مطربة الحي لا تطرب
ونفتح نافذة لنطل على أزهار حديقته الغناء ونتنسم شذاها من خلال عبير قوله :

فُكّي عِقال رؤى من ظُلمة النّكدِ
إني أعيش زمان الشعر للأبدِ
الشعرُ يسكنني والقلب أرهف مِنْ
قلب الأمومة إذْ تحْنو على ولدِ
وللجمال أنا للفن ينطق منْ
إلهامه طربا من دهشة الأبدِ
كأس مشعشعة للشعر مترعة
كأن واردَها ظمآنُ لم يَرِدِ
قد كنت أحسب أن الحلم بعد غدٍ
حتى تبخَّر هذا الحلمُ قبل غدي
مازال بعضُ عبير الزهر أُرسلهُ
في صفحة جمعتْ ما دار في خَلدي
بيني وبينك غاباتٌ لنا بسطتْ
بالنهر أذْرُعَها في ضِفّتيْ وَسَدي
إني وزنتُ بكِ الدنيا بأكملِها
أنت القصيدةُ لا ثنتان في العددِ
قد يظهر الشاعر بنوع من الوثوق والاعتداد بنفسه بنرجسية محمودة وليس التباهي المدموم فقد كتب الشعر صغيرا و جالس الشعراء والأدباء ولاحق مجامعهم ذكر لي حين سألته متى ابتدأت علاقتك مع الشعر لوح بيده وأشار بابهامه إلى الوراء في اشارة الى الماضي البعيد وعمره لا يتجاوز الثلاثة عشر أو يزيد قليلا
وحين يذكر في مطلع قصيدته حكياته بالشعر يقول
اني اعيش زمان الشعر للابد
الشعر يسكنني والقلب ارهف من
قلب الأمومة إذ تحنو على ولد
وكثيرا من فحول الشعر وناظميه كان لهم هذا الاعتزاز واذا كان لكل زمان رجاله فإن للبيان وللجمال شعراؤه
وقد نجد لهذه القصيدة تناصا جميلا في معنى علاقة الشاعر بالشعر والذى يقرنه بعشقه لحبيبته فنقرأ ذلك في رائعة أحمد رامي :
شاعر يطلب السمو على اج
-نحة الشعر في سماء الخيال
ويرى المجد في الخلود بما غ
نى فغنى به فم الأجيال
لا يبالي اذا تبسم ثغر العي
ش ام عبست وجوه الليالي
يستمد المعنى الجليل من الد
نيا تراءت له بكل المجالي
والشاعر هو من يجود بما عنده فينثره كيف يشاء وعلى من يشاء بأسلوب شاعري سلس جامع للمرامي ،مشبع بالصور الجمالية التي تشد القارئ فيستطعمها فاكهة حلوة المذاق
وان زهو الشاعر عبد العزيز ابو شيار “الاخطل ” بشعره راجع لايجادته للعروض وحبه للشعر وهو الذي خبر دروبه ومسالكه ووقف على شعر القدامى والمعاصرين يحفظ من شعر العرب قبل الإسلام معلقاتهم وفي عهد البعثة أجود المصنفات وفروعها.. لحسان ابن ثابت وكعب بن زهير والخنساء ..مرورا بالعصور الموالية إلى زماننا هذا وهو الظامئ الى خمرة الشعر المنعشة يقول :
كأس للشعر مشععة مترعة
كأن واردها ظمآن لم يرد

وهذا ليس بغريب على شاعر شب طوقه على الشعر ونظمه وهو ابن ثلاثة عشر سنة وهام حبا فيه إلى أن أصبح أستاذا للادب العربي يلقنه تلامذته ويحببه إليهم؛ فصار منهم الشاعر والروائي والكاتب ومنهم من تبوأ أعلى المراتب في الجامعات والكليات
والشاعر عبد لعزيز ابو شيار فنان بطبعه إلى جانب ولهه بالشعر فله ولع بالموسيقى لا يفارقه الوتر واصابعه اخف من ريشة وهو يعزف على عوده ، يتغنى به ويغنى له يهتز عند سماعه لحركة موسيقية او لنفخة ناي ؛ وقد ابدع في وصفه الدقيق الجميل لقصبة الزجال الشيخ محمد اليعقوبي الذي سحره بشدوه وقد جاء مطلعها :
نايات الروح
سمعتُ من قصب ما أمره عجبُ
مبحوحة وبها النايات تنتحبُ
الريح قد نفخت في جوفها نفَسا
سُلافة لأنين الروح يا طربُ
تجلو الهموم بقلب ناء حاملُهُ
طابت بها مُهَجٌ وفُرّجتْ كُربُ
يا قصْبة آنستْ ليلا يُسامرني
أقماره رقصتْ وانْزاحت الحُجُبُ
كأنما وهبَتْها الريح دفْقَتَها
فيضا يرشُّ سماء كلّها شُهُبُ
اعزِفْ لُحَيْنَك يا شيخا بحلقتنا
عاوِدْ حنين فؤاد هَدّهُ التعبُ
وانفخْ بروحك إن الريح ضائعة
فلا حديث سوى ما قاله القصبُ
والشاعر هو من لا يفوت فرصة يلتقط الأحداث والمواقف بأمانة يتفوق على الة التصوير بالاحساس المرهف والمشاعر الجياشة وابوشيار يكتب باسهاب والقصيدة أعلاه من خمسين بيتا جاءت على بحر البسيط
مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ ..مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ مُسْتَفْعِلُنْ فَاْعِلُنْ
وفي هذا يقول القاص والكاتب الاستاذ محمد العتروس :
(إن الشعر الحقيقي في عرف الشاعر ابي شيار هو شعر يمتلك رؤية وموقفا من الحياة والانسان والكون والاشياء ، وهو شعر يعترك في خضم هذه الحياة يقاتل ويقاوم ويسائل ويسأل ويغضب ويفرح ويغني ويطرب وهو شعر حيوي يتغير دائما من ناحية الشكل كما من ناحية المضمون وهو شعر التزام كذلك ؛ التزام بالقضية السامية القضية الفلسطينية وبالقضايا الانسانية العادلة ؛قضية الانسان المظلوم والمقهور والكادح ) انتهى
انه شعر منفتح على مواضيع كثيرة ولا يسثنى منها قصائد الغزل الذي خصه باسلوب سلس عذب جميل على شاكلة من سبقوه ممن خبروه وعاشوا تجربته بما فيها من حلاوة ومن مرارة
لوكان لي من الوقت متسعا ومن الصحة قوة ما وقفت عند هذا الحد، ولأسهبت فيه محللا ومدققا وواقفا على مبناه ومعناه؛ والتمس العذر من شاعرنا الاخطل ومن قرائنا وأدعوهم لتنسم عطر شدى حروفه وتشنيف مسامعهم بأرق نغمات عوده وأجمل ألحانه .
انتهى بحمد الله بجعدار بتاريخ السادس من غشت 2018
بقلم : مولاي الحسن بنسيدي علي

La imagen puede contener: 4 personas, personas sonriendo, personas sentadas, personas comiendo e interior